الخوارج"... فكر"

محمدابوالقاسم


د. محمد أبو القاسم حين تخلص علي بن أبي طالب من خطر الخوارج، اطمأن أنصاره وأعلنوا نهاية هذا الهاجس قائلين: الحمد لله يا أمير المؤمنين الذي قطع دابرهم. لكنه أجابهم بقولته الشهيرة: كلا، والله إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا خرجوا من بين الشرايين فقل ما يلقون أحدا إلا ألبوا أن يظهروا عليه. هذه النبوءة أثبتت الوقائع صحتها، فرآى أنصاره في ذلك رجاحة رأيه وبعد نظره. لكن إن كان لتلك القولة مغزى فهو أن "الخوارج" فكر، والفكر لا يقهر بحد السيف. كان الخوارج مجموعات ذات أصول بدويًة ومنطلقات قبلية رافضة للخلافة ولتوجهات السلطة في الدولة الإسلامية الجديدة التي رأت فيها إقصاء للمكونات القبلية خارج مكة والمدينة، واستعملت في هذا التوجه أدوات إيديولوجية مستمدة من قراءتهم الخاصة للشريعة، فكسروا حاجز الوقار والقداسة، ولم يراعوا الوضع الاعتباري للصحابة. فصرنا بصدد صراع حول السلطة لا يختلف عن الصراعات التي طالما عرفها تاريخ البشرية. فكانت النتيجة مآسي وسفكا للدماء راح ضحيتها أبرياء، استمرت ولم تنته باغتيال خليفة المسلمين. فالخوارج بنوا بنيانهم العقائدي على ادعاء برفض الإقصاء، لكنهم أنتجوا فكرا مبنيا على التكفير والإقصاء، أما ممارساتهم فقد بنيت على العنف والرعب، مستخدمين تكتيكات تتراوح بين الحروب المباشرة وحروب العصابات والتخويف والمحاكمات والاغتيالات، وظل تهديدهم حاضرا بأشكال مختلفة. لقد عرف تاريخنا إذًا انبعاثا متجددا لهذا التوجه، في مختلف المراحل بأشكل ومسميات مختلفة. وإذا كان لنا أن نبحث عن سمات الخوارج في فرقة من عصرنا هذا، سنجد الأمر ممكنا مع المجموعات الإرهابية من قبيل داعش، فكلا المجموعتين تعتبر نفسها بديلا أخلاقيا مقابل أنظمة فاسدة، وكلاهما يستخدم التخويف والاغتيالات والتكتيكات المشابهة. كما نجد أن داعش تنطلق من النفي والإقصاء والتكفير التلقائي للآخر، إقصاء يسمح بالعنف الذي لا يفرق بين رجل وامرأة وطفل، ولا حرج حينها في قتل سكان قرى بأكملها. إن فكر الإقصاء والتفكير لا يمكن أن نفهمه إلا كنتاج لمناخ وتربة ملائمة، وإذا كان العنف السياسي لا يمكن أن يجابه إلا بعنف مماثل أو أقوى، فإن الفكر لا يقارع إلا بفكر أقوى وأصلب، ولكن قبل هذا وذاك يجب أن ننطلق من توفير المناخ والتربة الملائمة، مناخ يقبل الاختلاف ويحتضنه.